صناعة الفخار.. الخزف.. السيراميك

إعداد: فريق التنفيذ
المراجعة العلمية: د.محمد هشام النعسان
التعريف وأصل التسمية:


الخزف والسيراميك كلمتان مترادفتان تعنيان الطين المشكل والمجفف تحت الهواء والمشوي بالنار في أفران فأصبح طيناً مشوياً (الفخار) وزجج ليمنع نفوذية الماء والسوائل فأصبح خزفاً (بالعربية) وسيراميك (باليونانية واللاتينية)، وأصل كلمة سيراميك يعود إلى المصدر الإغريقي (كيراموس Keramos) أو المصدر (كيراميس Kerames)، ويعني القرميد أو طينة الأوعية أو من المصدر (كيرامون keramon) ما يعني أوعية الشراب المصنوعة من الطين المشوي، ويعود الفضل في هذه التسمية الشائعة في العالم لمصطلح سيراميك كمقابل للبوتيري الأجنبية (Potere – Pottery) للخزاف الفرنسي (Brongniart).

كيف يتطلع عامة الناس إلى قطعة خزفية قديمة أو حديثة ؟

يعتبر عامة الناس أن صناعة الخزف تتدرج تحت إطار الأعمال الحرفية التي تدعى أرتيزانا، وأن الخزاف هو حرفي يحقق الحاجات الأولية للمجتمع والبيئة المحيطة من خلال المادة التي يصنعها الطين، والواقع وحسب رأينا كمؤرخين للفن أن السيراميك هو حرفة فنية متغيرة تعطينا إمكانيات مختلفة في الشكل المادي ( الأثر)، والزخرفي ( الفن )، ومنذ اللحظة التي بدأ فيها اهتمام الخزاف بتلوين الدوائر أو رسم خطوط ملونة على إبريق، صحن، أو قارورة، أصبحت معه طريقة التعبير ذات موهبة تصويرية أولاً وروائية ( مشهد إنساني، حيواني، ميثولوجي ) فيما بعد دون الاهتمام بالبسكويت ( الفخار الناتج عن شوي الطين ) أي المادة الحاملة للصورة الملونة، إذاً فالخزاف يتعامل مع المادة كفنان وليس كصانع وحرفي فقط.

ويبدو أن الحدث الأساس في تاريخ السيراميك يعتمد على جمع مادة التراب إلى الماء لتكوين الطين وعرضها على الهواء لتجف، وتقديمها إلى النار لتكتسب قوة الاستدامة على الهواء لتجف، كما يبدو أنها بادرة حب جمعت عناصر الطبيعة الأربعة : الأرض، الماء، الهواء، والنار بهدف فعل التكوين " التكوين " فن الخزف.

وهنا تبدأ قصة اليد ( الأداة ) أداة الإبداع والتكوين والتشكيل، أداة جمع التراب )، والتراب يمثل الأرض التي تصبح الإناء، واليد التي تجمع الماء إلى التراب ليعطي الطين اللزج القابل للتشكيل.

ومن التشكيل الفني للطين يعرض الطين للهواء الذي يجفف الإناء المشكل، واليد التي تنقله بعد لمسات التشكيل المجففة إلى النار لطبخه ( الشوي ) – هي الوسيط الفني الأساس لتكوين التوازن بين عناصر الطبيعة التي كونت " الخزف " ( كحالة من الفنون الإبداعية )، وهي / يد الإنسان الفنان / التي جعلت من توازن الكتلة والشكل والمادة أمكانية لا متناهية من حيث التشكيل الحرفي والفني أولاً والوظيفي لما هو مشكل من الخزف ثانياً، والفنان الخزاف يشكل منحوتة مفرغة من كتلة أساس تراب وماء ( الطين )، وبمساعدة الدولاب يذهب الخزاف إلى أبعد من تشكيل الفراغ حيث يستعمل إحدى القوى البسيطة المرتبطة بفيزياء الجسد " القوة الطاردة المركزية " والتي تساوي البعد الروحي لأي عمل إبداعي حيث يعتمد على اليد والروح معاً.

إن دمج التراب إلى الماء التي عالجها الإنسان بفن وبيديه الاثنتين هو إنتاج طبيعي لحب الماء للتراب ( عناصر الطبيعة، نهر النيل والفرات مثلاً هو أشبه بحب الإنسان للطبيعة وبحب الطبيعة لذاتها)

إن القيمة الاجتماعية والروحية لأي عمل خزفي لا تنفصل عن الوظيفة الأساسية التي صنع لأجلها وتكمن في مستوى اختيار أصحابها لها، وتدل على المستوى الاجتماعي الراقي والمتوازي في القيمة المادية إلى حد ما وهذا ما تثبته العناصر الزخرفية.

وأخيراً، وجد الخزاف عبر العصور أنه من الطبيعي تأسيس لعلاقة وثيقة وضيقة تعطي مقياس الأهمية للعمل الإبداعي لأية آنية طينية قد يشكلها، إنها علاقة سرية أشبه بالنمط الصوفي الباطني : علاقة الروح بالجسد – علاقة التربة بالأرض، وقد انعكست تلك العلاقة ومفاهيمها المستعارة أحياناً على زخرفة العمل الخزفي.

لذا ففي القديم كما اليوم كانت الأواني موصوفة بواسطة مصطلحات مستعارة من التشريح الجمالي لجسم الإنسان : فنحكي في الخزف عن الشفاه، الرقبة، الأكتاف، البطن، الأرجل، الذراع ( الأذن لدى الإغريق ) وكأننا أما منحوتة لإنسان حي أو إبداع لعمل حي : الآنية الخزفية.

لهذا وبدون شك إن جمالية العمل الخزفي في أي زمان وفي أي مكان ليست معزولة عن هدفها الوظيفي الأساسي التي صنعت لأجله، وأن صانعوها كانوا على معرفة عميقة بالقيم الفنية التي تحدثنا عنها، وربما أكثر مما نتصور وبالتأكيد عبر معطيات أكثر تنوعاً لا تزال بحاجة إلى كشفها في المستقبل.




منقول للفائدة